إضغط هنا لتنتقل  

مقالات

أشيقر.. حضور الزمان وغياب الجغرافيا



أشيقر بلدة على ضفاف تلال الرمال الحمراء، تبعد عن العاصمة الرياض 200 كيلو متر في اتجاه الشمال الغربي منها، كانت يوما ما المركز الحضاري لعموم منطقة نجد، بل الجزيرة العربية، فعبرها كانت تمر القوافل التجارية آتية من كل حدب وصوب يجتذبها موقعها الجغرافي المميز ودراية أهلها بفنون التجارة وتميزهم بثقافة الانفتاح على الآخرين وصدقهم وطيب تعاملهم – وما زالوا. لم تكن أشيقر تتميز بالتجارة والجذب الاقتصادي وحسب، بل كانت منارة علم ومدرسة مكتزنة بالعلماء المتميزين الأفاضل الذين أبدعوا في فنون كثيرة وذاع صيتهم، فراح يقصدها طلاب العلم من كل أنحاء الجزيرة العربية لينهلوا من هذا المعين المعرفي ولتكون مدارسهم مشرعة الأبواب تعج بالقادمين إليها تستقبلهم وتهيئ لهم سبل العيش، وفي ذلك يقول المؤرخ والعلامة الشيخ حمد الجاسر ــ رحمه الله ــ ”كانت مدينة أشيقر في القرن العاشر من أبرز مدن نجد وأشهرها من حيث كثرة العلماء الذين تولوا مناصب القضاء في مختلف مدن وقرى نجد”. هذا التميز الاقتصادي والثقافي جعل أشيقر ولأزمنة عديدة تتربع على قائمة المدائن في الجزيرة العربية، فالمصادر التاريخية تشير إلى أنها بلدة قديمة سميت بأشيقر لحمرة تربتها وجبالها، ولذا يقول الحطيئة المتوفى سنة 45هـ:

فلما نزلنا الوشم حمـر هضابه أناخ عـلـينا نازل الـجـوع أحـمــرا

رحـنـا وخـلـفـنا عــنا مـخيماً مقيمـاً بدار الهون شقـراء وأشيقـرا

لقد تبدلت الأحوال وتغيرت الظروف الاقتصادية في العصر الحديث وظهرت تقنيات ومكتشفات وصناعات جديدة، لم تستطع أشيقر مجاراتها، فالميزات الاقتصادية التفضيلية التي ظلت تتمتع بها لدهور مديدة لم تعد كذلك وتلاشت بلمح البصر ما أدى في نهاية المطاف إلى انحسارها تنمويا. هذه البلدة التي كانت تباهي البلدات الأخرى فقدت بريقها وجاذبيتها ورحل عنها معظم سكانها إلى مناطق الجذب الجديدة. ولكن هي ذاتها التي ربتهم كأم رؤوم على البحث دوما عن النجاح وتحقيق الأفضل، فطبيعة أهل أشيقر في الدقة والحرص على تأدية المهمة جعلت المثل يقول عنهم ”مثل وصية راعي أشيقر”. لقد تمكنوا بفضل الله ثم بدرايتهم وخبرتهم التجارية وتعلمهم أن يشقوا طريقهم في عالم الاقتصاد الجديد وأن يصنعوا لأشيقر ولأنفسهم سمعة حتى قيل إنه من الصعب منافستهم.

بطبيعة الحال، أثرت هذه الهجرة الجماعية، في نمو أشيقر البلدة لتذبل ويسوء حالها وتتراجع أهميتها وتدخل في عالم النسيان في ظل التنمية الاقتصادية التي لم تراع مكانتها التاريخية.. فكيف تنسى هذه البلدة العريقة؟ ربما دار هذا التساؤل في أذهان أولئك الأوفياء من أبنائها وهم كثر ليقوموا على إحيائها من جديد والحفاظ على تراثها العمراني وإرثها التليد، بإنشاء دار التراث. المشروع في الواقع قرية تراثية تشتم فيها عبق التاريخ ويخالجك شعور وأنت تزورها أنك تعيش في ذلك الماضي الجميل بكل أحداثه وقصصه وشخوصه، فهناك البيوتات وقد تلاصقت تخترقها ممرات ضيقة حتى ليخال لك أن سكانها يعيشون جميعا في بيت واحد كبير. إنه حال الود والتعاون والتكاتف بينهم الذي شكل نسيجها العمراني ليمضي المرشد السياحي أحد أبناء أشيقر في هذه الأزقة الجميلة يقود جموع السياح مواطنين وأجانب الذين قدموا للتعرف على هذا التراث، فها هي أبواب البيوت وجدرانها وقد ازدانت بالنقوش والزخارف والألوان لتزيد من روعة المكان وجاذبيته ولينبض بالحياة من جديد ولتعيد للذاكرة كرم الضيافة وحسن الاستقبال مع ما كانوا يعانونه من قسوة الحياة وشظف العيش. لقد استفاض المرشد السياحي بالشرح مستمتعا بذكر مناقب الأجداد وقدرتهم الفائقة على التعامل مع الظروف والأحداث، وكيف أنهم بتكاتفهم وحسن تدبيرهم استطاعوا التغلب على البيئة الصحراوية القاسية. والقرية التراثية شاهد على مآثرهم ودليل على خبرتهم العمرانية، إذ ما زالت هذه المباني الطينية القديمة تقاوم العوامل البيئية وتقف شامخة كأصحابها عزيزة قوية. إن الفكر والثقافة وأسلوب التعامل مع البيئة المحيطة جوهر ذلك التراث الأصيل، الذي يلزم تدوينه وتوثيقه وتطبيقه في حياتنا المعاصرة، فقد أخرج لنا منتجا بهذه الجودة وهذه الخدمات المتميزة باستخدام كفء للموارد المحلية. فمسجد الشمال التاريخي الذي يقبع داخل المدينة القديمة ما زال تقام فيه الصلوات، وها هي بعض بيوت الأفاضل من أهالي أشيقر تستقبل الزوار بعد ترميمها على الرغم من مضي أكثر من قرن على بناء بعضها، أما المدرسة الأولى فهي عنوان العلم والمعرفة هناك.

هذه البلدة كتب لها أن تظل محفورة في وجدان الكثيرين، فمهما بعد أبناؤها واستوطنوا غيرها ستظل الأصل الذي يحنون إليه والجذور التي يعودون إليها، فهي كما تدعى ”رحم نجد”، حيث ينتسب إليها أسر نجدية كثيرة ساهمت في بنائها. والمقال لا يتسع لذكر الأسر التي كان لها شأن كبير في العلم والتجارة. ومع هذه الأهمية لأشيقر، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام والرعاية اللازمة! وقد تعجب من أن اللافتات الإرشادية على الطريق السريع لا تحمل اسمها إلا قبل الوصول إليها ببضعة كيلومترات! وهذا في واقع الأمر لا يليق بمكانة هذه البلدة التاريخية ولا بجهود الحفاظ على تراثنا الوطني. إن من حق الأجيال الحاضرة والقادمة في جميع مناطق السعودية أن تعرف اسم ”أشيقر” التاريخ والتراث وإسهاماتها الثرية. وهناك خطوات عملية ستعبر عن الاهتمام بها. لقد قامت الهيئة العامة للسياحة والآثار بجهود مقدرة في دعم ومساندة أهالي أشيقر في تطوير القرية التراثية ضمن مشروعها الوطني في إحياء التراث العمراني في جميع مناطق السعودية، ولكن بقي من المهم تسويق هذا المنتج التراثي السياحي الثري والتدليل عليه عبر اللافتات الإرشادية على طول الطرق السريعة بالتنسيق مع وزارة النقل، حتى لا يحضر الزمان وتغيب الجغرافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى