.



إضغط هنا لتنتقل  



وقف صقر بن قطامي _ رحمه الله_

تمثل الأوقاف أحد أهم مفاخر بلدة أشيقر ذات الصيت العالي في مجال العلم والعلماء، حيث أثمرت جهود علماء أشيقر وعبر عقود من الزمن برفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الأوقاف ودورها التنموي على مستوى الفرد والجماعة، فانتشرت الأوقاف وتنوعت ‏وشملت جميع مناحي الحياة واحتياجات المجتمع.

وقد اقترنت الأوقاف باسم أشيقر كونها أحد المعالم التي عُرِفت واشتهرت بها، فإذا ما ذُكِرت الأوقاف التاريخية كانت أوقاف أشيقر على قمة هرمها، ومن أبرز وأقدم هذه الأوقاف: وقف صَبِيح سنة ( 747 ه- 1346م)، ووقف بسام بن منيف، ووقف محمد بن بكر، ‏وكلاهما في مطلع القرن التاسع الهجري- نهاية القرن الرابع عشر ميلادي-، ووقف صقر بن قطام‏ سنة (942 ه-  1535م)، ووقف مكتبة الشيخ حسن بن علي بن بسام (945 ه –  ‏‏1538م)،  ووقف رميثة بن قضيب المؤرخ في (986 ه –  1578م)، ووقف أبناء أحمد بن ‏إسماعيل المؤرخ في سنة (1017 ه –  1608م).‏

ووقف صقر بن قطامي بن صقر -رحمه الله- تعتبر وثيقته المؤرخة عام (942) ه، إحدى أهم وثائق الأوقاف القديمة في اُشيقر، حيث أوقف صقر بن قطامي جميع أملاكه في قرية أُشَيْقِر (حيطان ونخيل) قربة لله تعالى على جهات خير وبر متعددة تضمنت الأرامل والمساكين والمرضى وتفطير الصوام في شهر رمضان، وخصص جزء من هذه الأعيان الموقوفة لنفسه ومن بعده لبنات أخيه محمد ومن بعدهم تكون تابعة لبقية الأوقاف، وجعل نظارة الوقف لزوجته مرهجة بنت عبدالرحمن بن محمد بن ريس ‏حتى ولو طَلُقَت منه، ولها غلة أحد البساتين الموقوفة أجرة لها على النظر في ذلك‏ ، فإن ماتت قبله فتكون النظارة له ، ثم من بعدهم تكون لسليمان بن عبدالله بن مديبغ، ومن بعده لمن رضيه واتفق على أمانته أهل الصلاح والمعروف والخير من أهل البلد وله عشير الغلة، واشترط صقر في وقفه أن تكون مصارفه في بلدة أشيقر، وجعل لناظره صلاحية إيقاف جميع المصارف في حال أصاب الناس مجاعة في غير شهر رمضان وتوجيه هذا الريع لمواجهة هذه الجائحة، كما خصص جزء من الريع للأرامل اللواتي يمنعهن الحياء والتعفف عن مد اليد ، والمرضى الذين أقعدهن المرض فلا يستطيعون الوصول إلى أماكن الطعام،  وجعل ‏الأكل من سماط رمضان متاحًا لكل من حضر دون النظر لجنسه أو بلدته أو مستوى معيشته‏.

ولحماية الوقف اشترط صقر ان “يُجَدد في كل عصر ذِكْرُه ليقرع الأسماع ما ذكر فيه من حكمة وينقله الخلف عن السلف لتنقبض عنه ‏الأطماع الكاذبة وتَقْصر ‏عن تناوله الأيدي الظالمة”، وساق العديد من الأدعية القارعة على كل من تعرض لهذا الوقف بتغيير أو تبديل أو تحريف أو أعان عليه بقول أو فعل أو مشورة.

وكان الإقرار الشفهي من صقر بهذا الوقف بتاريخ الخامس من شعبان عام أربعين وتسع مئة من ‏الهجرة النبوية، وكُتِبت النسخة الأصلية لوثيقة الوقف ‏في شهر شوال عام اثنين وأربعين وتسعمائة من الهجرة النبوية بخط الشيخ طلحة بن حسن‏ رحمه الله، وخشية تلف الوثيقة مع طول الزمن ومرور الأيام نسخت الوثيقة مرة بعد أخرى، وكان آخر نَسْخٍ لها بتاريخ السادس عشر من شهر جماد الأول عام ثلاثة وثلاثمائة وألف من الهجرة ‏النبوية بخط الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن عامر رحمه الله، وهذه النسخة الأخيرة موجودة ضمن ديوان أوقاف الصوّام بأشيقر المحفوظ لدى ورثة عبدالله بن عبدالعزيز بن عياف -رحمه الله- ضمن مجموعة الوثائق الخاصة بجدهم عبدالله بن سليمان ‏بن عياف -رحمه الله-.

ومع ما شهدته المملكة العربية السعودية في العقود الماضية من نهضة حضارية وتنموية كبرى مرّ فيها المجتمع السعودي ‏بتحولات غير مسبوقة انتقل فيها من حال إلى حال، حيث تحسنت أحواله المعيشية والتعليمية والصحية ‏والاجتماعية، ونتج عنا التحولات تغيرات مجتمعية كبيرة على مستوى المدن والقرى حيث هُجرت القرى القديمة ومزارعها وتحولت إلى مزار للذكريات، ‏وكان من نتاج ذلك إهمال تلك الأوقاف التي ورثها الأجداد، والتي أسهمت وعلى مدى قرون متتالية في ‏تأمين سبل العيش والحياة الكريمة لهذه المجتمعات (وخاصة في تلك الأوقات الحرجة التي مرّت بها هذه ‏المجتمعات)، فاستغنى الناس عنها، وأُهمِلت وتعطلت منافعها، ووقف صقر بن قطامي وهو أحد هذه الأوقاف أصابه حظه من الإهمال، واستغنى الناس عنه، فتلف ‏نخله، وتعطلت منافعه، وأما أصوله (الحيطان الموقوفة) فما زالت باقية معروفة بحدودها

ولأهمية هذه الوثيقة والحاجة لدراستها وتفكيك مضامينها،  فقد وفقنا الله -سبحانه وتعالى- للقيام بدراسة تحليلية لها صدرت في كتاب بعنوان: وثيقة وقف صقر بن قطامي بأُشَيْقِر ‏-قراءة تحليلية- قامت مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف مشكورة بطباعته ونشره.

كتبه: إبراهيم بن محمد السماعيل

1441/11/23 هـــ




التعليق عبر الفيس بوك
القسم : مقالات

لا توجد تعليقات

التعليق مغلق